السيد محمد حسين فضل الله
15
من وحي القرآن
الذي يرهب من سطوته وعقابه . وقد قدم المفعول هنا لإفادة الحصر كما في قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ آمنوا بما أنزلت على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في رسالته وفي قرآنه ، الذي يصدق ما معكم من التوراة ، لأن الأنبياء لا يأتون ليكذّبوا من قبلهم ، بل ليصدّقوه وليكملوا ما نقص بفعل تقدم الحياة وتطورها وحاجتها إلى الأشياء الجديدة . وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ، لأن الكفر به لا ينسجم مع معرفتكم بصحة دعوته ورسالته ، من خلال البراهين التي تملكونها في ما بين أيديكم من الدلائل والبراهين . وقد يسأل سائل : كيف يقول اللّه سبحانه : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ، مع أنهم ليسوا أول الكفرة به ، لأن مشركي قريش قد سبقوهم إلى الكفر والإنكار ؟ والجواب : إن من الممكن ورود هذا التعبير على سبيل المبالغة لتأكيد ضرورة الإيمان بالقرآن قبل الآخرين ، وربما كان الأساس في ذلك ، أن المشركين لا يملكون القوة الفكرية المؤثرة في المجال العملي للدعوة الإسلامية ، بالمستوى الذي يملكه الكتابيون من التأثير ، مما يجعل لهم أهمية بالغة بالنسبة إلى غيرهم ، حتى أن كفر غيرهم ممّن سبقهم إلى الكفر بمنزلة العدم لقلة أهميته . وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ، الشراء هنا بمعنى البيع ، كقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ البقرة : 207 ] وَلا تَشْتَرُوا وذلك بأن لا تتركوا الآيات الحقة في مقابل ما تحصلون